سيد محمد طنطاوي

149

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أو يصرفهم عن سبيل الغي الذي آثروه على سبيل الرشد . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ومَنْ يُرِدِ اللَّه فِتْنَتَه فَلَنْ تَمْلِكَ لَه مِنَ اللَّه شَيْئاً . . « 1 » وقوله - تعالى - : مَنْ يُضْلِلِ اللَّه فَلا هادِيَ لَه ويَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ « 2 » . ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك مقولة أخرى من مقولاتهم الباطلة ، التي أكدوها بالأيمان المغلظة ، ورد عليها بما يدمغها ، فقال - تعالى - : [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 38 إلى 40 ] وأَقْسَمُوا بِاللَّه جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّه مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْه حَقًّا ولكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 38 ) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيه ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ ( 39 ) إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناه أَنْ نَقُولَ لَه كُنْ فَيَكُونُ ( 40 ) قوله - سبحانه - : * ( وأَقْسَمُوا بِاللَّه جَهْدَ أَيْمانِهِمْ . . . ) * معطوف على قوله - تعالى - قبل ذلك : وقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّه ما عَبَدْنا مِنْ دُونِه مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا . . للإيذان بأنهم قد جمعوا بين إنكار التوحيد وإنكار البعث بعد الموت . والقسم : الحلف : وسمى الحلف قسما ، لأنه يكون عند انقسام الناس إلى مصدق ومكذب والجهد - بفتح الجيم - المشقة . يقال جهد فلان دابته وأجهدها ، إذا حمل عليها فوق طاقتها . وجهد الرجل في كذا ، إذا جد فيه وبالغ ، وبابه قطع . والمراد بقوله : * ( جَهْدَ أَيْمانِهِمْ ) * أنهم أكدوا الأيمان ووثقوها بكل ألفاظ التأكيد والتوثيق ،

--> ( 1 ) سورة المائدة الآية 41 . ( 2 ) سورة الأعراف الآية 186 .